المقريزي
194
المقفى الكبير
[ ب ] المشروب من يده ليشرب ، وهذه أعظم كرامة عندهم . فامتنع من شرب الخمر ، واعتذر بأنّه حجّ فأعفاه . وبلّغ رسالة السلطان ودفع إليه كتابه . فأنزله ورتّب له في كلّ يوم ستّين رأسا من الغنم . وأعجب به أهل الأردو وبمن معه لحسن زيّهم ، وحلّ عندهم محلّا رفيعا ، فإنّ [ ه ] كان من خالص جنس المغل عارفا بلغتهم منزلته من الترك منزلة النحويّ بين العامّة ، ويكتب كتابة فائقة الحسن ، فلم يبق أحد فيهم من الأمراء إلّا وأضافه ، فما أضافه منهم أحد إلّا وقدّم له تقدمة تليق به . وفرّق راتبه في فقرائهم ، وتقدّم إلى جميع من معه أن يعفّوا عن الفواحش . فتيسّر على يده ما أراده السلطان من الصلح ، وصعد الخطيب في يوم الجمعة منبر توريز ودعا للسلطان الملك الناصر بعد القان وحثّ على الصلح ورغّب المغل في الإسلام وعرّفهم أنّ المملكتين صارتا مملكة واحدة . فلمّا تهيّأ سفره حلف أبو سعيد والأمير جوبان والوزير علي شاه على ما تقرّر وكتبت نسخة اليمين ، وغمره بالإنعام وسفّره . فقدم إلى مصر وأحضر إلى السلطان ما حصل له وهو نحو المائتي ألف درهم سوى القماش . وقدّم من عنده لؤلؤا اشتراه بأربعين ألف درهم قوّم بمائة ألف ، فأنعم السلطان عليه بذلك كلّه . فأقسم بالأيمان الحرجة أنّه لا بدّ من قبول السلطان لذلك جميعه . فحمل إلى الخزانة . وأنعم عليه بمائة ألف درهم ، وقدّم له كريم الدين الكبير عشرين ألف درهم . فقدم عقيب ذلك رسول أبي سعيد لتحليف السلطان في رابع عشر جمادى الآخرة منها ، فحلف له . ثمّ سار في سابع جمادى الأولى سنة ستّ وعشرين في الرسالة لأبي سعيد وعلى يده هدايا جليلة ، وقدم يوم الثلاثاء ثامن عشرين شعبان وقد قضى المهمّات السلطانيّة فأكرمه السلطان ورفع محلّه . وتوجّه أيضا وعاد يوم الأحد رابع عشرين المحرّم سنة تسع وعشرين ، وتوجّه إلى مكة على عسكر للنصف من صفر سنة إحدى وثلاثين لمحاربة الشريف رميثة بن أبي نمي ، فقدم مكّة وقد خرج منها رميثة وجمع عربانه [ 249 ب ] يريد الحرب ، فتلطّف به أيتمش ، وبعث إليه عشرة أحمال ما بين دقيق وبشماط « 1 » وشعير ، وخمسة آلاف درهم ، حتى قدم إليه طائعا ولبس تشريف السلطان واستقرّ في إمارة مكّة . وقصد أن يقدّم لأيتمش ومن معه من العسكر تقادم فلم يمكّنه أيتمش من ذلك . وعاد بمن معه فقدم القاهرة في سابع جمادى الآخرة ، وقد كانت مدّة غيبته أربعة أشهر تنقص ثمانية أيّام . ثم خرج لنيابة صفد عوضا عن الأمير [ 233 أ ] أرقطاي في [ . . . ] سنة ستّ وثلاثين ، وكان قد اعتراه مرض الفالج مدّة سنة وصار إذا دخل الخدمة السلطانيّة يتوكّأ على عصا ليتوفّر عليه حضور الخدمة . ونقل أرقطاي إلى مصر على إقطاع أيتمش وتقدمته . وأحسن أيتمش السيرة في أهل صفد ، فلم تطل بها أيّامه ومات في السنة المذكورة « 2 » [ . . . ] فولي بعده نيابة صفد الأمير طشتمر حمّص أخضر . وكان أيتمش ططريّ « 3 » الجنس عارفا بلسان المغل جيّد الخطّ به . وذلك هو سبب سعادته : فإنّ العادل كتبغا لمّا عرض المماليك أعجب بكلامه وجودة خطّه بالمغليّ فزاد في جامكيّته « 4 » ، واتّفق
--> ( 1 ) البشماط : كعك غير محشوّ . ( 2 ) السلوك 2 / 405 : في 13 ذي القعدة . ( 3 ) هكذا بطاءين . ( 4 ) الجامكيّة : الراتب .